محمد سعيد رمضان البوطي
341
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
وقد دلّت على هذه الشروط أحاديث صحيحة مثل ما رواه مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي قال : كنّا نرقي في الجاهلية ، فقلنا : « يا رسول اللّه كيف ترى في ذلك ؟ فقال : اعرضوا عليّ رقاكم ، لا بأس بالرّقى ما لم يكن فيه شرك » . السحر والرّقية منه : ولقد كان من أهم ما رقى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نفسه بالمعوّذات منه ، السحر الذي سحره به لبيد بن الأعصم في الحديث الذي رواه الشيخان . ولقد ذكر العلماء أن جمهور المسلمين على إثبات السحر وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة ، ودليله هذا الحديث ، وذكر اللّه تعالى له في كتابه ، وأنه مما يتعلم ، وذلك لا يكون إلا فيما له حقيقة ما . وقوله سبحانه وتعالى عنه فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [ البقرة 2 / 102 ] ، والتفريق بين المرء وزوجه شيء حقيقي كما هو معروف . وقد يستشكل بعضهم هذا الذي نقول لسببين : الأول : كون السحر بحد ذاته حقيقة ثابتة ، إذ هو فيما يتوهمه البعض أمر مناف لقضية التوحيد وانحصار التأثير للّه وحده . الثاني : أن يقال إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد سحر ، فذلك مما يحط ( في وهمهم ) من منصب النّبوة ويشكّك الناس فيها . والحقيقة أنه لا إشكال في الأمر البتة . أما الجواب عن الوهم الأول ، فهو أن اعتبار السحر حقيقة ثابتة لا يعني كونه مؤثرا بذاته بل هو كقولنا السّمّ له مفعول حقيقي ثابت ، والدواء له مفعول حقيقي ثابت ، فهذا كلام صحيح لا ينكر . غير أن التأثير في هذه الأمور الثابتة إنما هو للّه تعالى . وقد قال اللّه تعالى عن السحر وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [ البقرة 2 / 102 ] ، فقد نفى اللّه عزّ وجلّ عن السحر التأثير الذاتي ، ولكنه أثبت له في الوقت نفسه مفعولا ونتيجة منوطة بإذن اللّه تعالى . وأما الجواب عن الوهم الثاني ، فهو أن السحر الذي أصيب به صلّى اللّه عليه وسلم إنما كان متسلطا على جسده وظواهر جوارحه كما هو معروف . لا على عقله وقلبه واعتقاده . فمعاناته من آثاره كمعاناته من آثار أي مرض من الأمراض التي يتعرض لها الجسم البشري لأي كان ، ومعلوم أن عصمة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم لا تستلزم سلامته من الأمراض والأعراض البشرية المختلفة . قال القاضي عياض : « وأما ما جاء في الحديث من أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان يخيّل إليه أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله ، فليس في هذا ما يدخل عليه صلّى اللّه عليه وسلم داخلة نقص أو عيب في شيء من تبليغه أو شريعته ، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا ( أي مما يدخل أي داخلة نقص في تبليغ الشريعة ) ، وإنما هذا فيما يجوز طروّه من أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها ولا فضّل من أجلها ،